أحمد بن محمود السيواسي
131
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
إسماعيل ، ثم فسر التبوئة لكونها مقصودة للعبادة بقولها ( أَنْ لا تُشْرِكْ ) كأنه قال تعبدنا فيه إبراهيم ، وقلنا له لا تشرك ( بِي شَيْئاً ) ف « أَنْ » مفسرة للقول المقدر ( وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ) من الأصنام والأقذار أن يطرح حوله ( لِلطَّائِفِينَ ) بالبيت من غير أهل مكة ( وَالْقائِمِينَ ) أي المقيمين من أهل مكة ( وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) [ 26 ] أي المصلين بالآفاق من كل وجه . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 27 ] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ( 27 ) ( وَأَذِّنْ ) أي ناد ( فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ) فقام إبراهيم على أبي قبيس ، جبل من جبال مكة ، فقال يا أيها الناس حجوا بيت ربكم والتفت بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا ، فأجابه كل من كتب له أنه يحج من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات لبيك لبيك اللهم لبيك ، فيحج من أجاب إبراهيم يومئذ ، قوله ( يَأْتُوكَ رِجالًا ) جواب الأمر ، جمع راجل أو مشاة ( وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ ) أي ركبانا على إبل ومهاذيل فلا يدخل بعير ولا غيره الحرم إلا وقد ضمر من طول الطريق ، قوله ( يَأْتِينَ ) صفة ل « كُلِّ ضامِرٍ » ، لأنه في معنى الجمع ، أي الضوامر ( مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) [ 27 ] أي طريق بعيد ، أي من نواحي الأرض ، روي عن أبي حنيفة رحمه اللّه : مشي الحاج أفضل إن صبر لما روي أن الملائكة يسلمون على أصحاب المحافل ويصافحون أصحاب البغال والحمير ويعانقون المشاة « 1 » ، وقيل : « الركوب أفضل إن كان بيته بعيدا ، والمشي أحسن إن كان قريبا » « 2 » . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 28 ] لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ( 28 ) ( لِيَشْهَدُوا ) صلة لقوله « أذن » ، أي ليحضروا ( مَنافِعَ لَهُمْ ) دينية ودنيوية أو مناحرهم وقضاء مناسكهم ( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ) عند الذبح ( فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ ) بالعد عندهم ، لأنهم كانوا يعدونها لأجل الحج ، وهي عشر ذي الحجة عند أبي حنيفة رحمه اللّه ، أي أيام ليالي العشر أو هي يوم النحر وثلاثة بعده عند غيره ، وقيل : « المعلومات أيام النحر والمعدودات أيا التشريق » « 3 » ، وهو طريق الفقهاء وهو أشبه بتأويل الكتاب ، لأنه ذكر في أيام معلومات الذبح وفي أيام معدودات الذكر عند الرمي ، ورخص بتركه في اليوم الآخر بقوله في سورة البقرة « فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » « 4 » الآية ( عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ) أي ليذكروا اسم اللّه عند الذبح على الإبل والبقر والغنم ، فلا يجوز الأضحية من غيرها ، قوله ( فَكُلُوا مِنْها ) أمر إباحة ، لأن الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم ( وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ ) أي الشديد البؤس ( الْفَقِيرَ ) [ 28 ] أي الضيف بالإعسار . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 29 ] ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 29 ) ( ثُمَّ لْيَقْضُوا ) أي ليزيلوا ( تَفَثَهُمْ ) يعني أوساخهم أو التفث مناسك الحج كالرمي والحلق والذبح ونتف الإبط وأخذ الشارب وقص الأظافير وحلق العانة ، فالمراد من قضائه الخروج من الإحرام إلى الإحلال بأفعاله ( وَلْيُوفُوا ) بالتخفيف من أوفى ، وبالتشديد من وفى والمعنى واحد « 5 » ، أي ليتموا ( نُذُورَهُمْ ) يعني كل ما أوجبوا على أنفسهم للحج والعمرة من هدي وغيره ، فإذا نحروا يوم النحر فقد أوفوا نذورهم ( وَلْيَطَّوَّفُوا ) قرئ بسكون اللام في الثلاثة وبكسرها فيها ، وبكسر اللام في الأول دون الأخيرين « 6 » ، أي ليدوروا طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة ( بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) [ 29 ] أي القديم ، وذلك بعد ما حلق المحرم رأسه أو قصر « 7 » وسمي عبيقا لأنه
--> ( 1 ) نقله المفسر عن السمرقندي ، 2 / 391 . ( 2 ) عن الفقيه أبي الليث ، انظر السمرقندي ، 2 / 391 . ( 3 ) عن مجاهد وقتادة ، انظر السمرقندي ، 2 / 392 . ( 4 ) البقرة ( 2 ) ، 203 . ( 5 ) « وَلْيُوفُوا » : قرأ شعبة بفتح الواو وتشديد الفاء ، والباقون بسكون الواو وتخفيف الفاء . البدور الزاهرة ، 215 . ( 6 ) « ليقضوا » : قرأ ورش وقنبل وأبو عمرو وابن عامر ورويس بكسر اللام وغيرهم باسكانها . « وَلْيُوفُوا » ، « وَلْيَطَّوَّفُوا » : قرأ ابن ذكوان بكسر اللام فيهما ، والباقون بالاسكان . البدور الزاهرة ، 215 . ( 7 ) قصر ، ح و : قص ، ي .